لماذا ينتصر الحق دائما؟

بسم الله..

هل تأملت يوما.. لماذا ينتصر الحق دوما؟

دعني أبدأ فلسفتي بمثال مر على كثير منا: في حيواتنا جميعا مررنا بتلك اللحظة التي ندرك فيها أن ثمة قرار ما قد اتخذناه خطأ. و عادة يتم ذلك الاكتشاف متأخرا بحيث يتبعه ندم مفعم بالألم.. وبالبحث عن سبيل للخروج من تلك الأزمة أو هذه. تمر الأيام بطيئا حتي يأذن الله عز و جل بفرج من عنده وبعدها قد يبقي الألم أو الندم.. كثيرا أو طويلا في حياتنا.. ولكن هذه المره فهو مرتبط بالسؤال: في ماذا أخطأت؟ لماذا لم تكن سعادتي في هذا القرار كما اعتقدت سابقا؟ وهكذا..

في معظم الأحيان يكون الطور الأخير في حياة القرار الخاطيء عبارة عن درس مفيد في مدرسة الحياة! عندها ينقلب الكرب شكرا لتدبير الله أن نبهنا لخطأنا هذا بذلك الشكل العملي.. وحتما نكون عندها على قناعة تامة أنه ليس ثمة أسلوب آخر كان من الممكن أن يتبعه المدبر غير ذلك التغيير العملي لفكرنا عن هذه الحياه وهذا العالم. قد تفاجأ ان جل تعليم الله ولطفه بالناس وتوجيهه إياهم هو عملي بالدرجة الأولى. و يكون ذلك الدرس الذي علمنا إياه سبحانه بسلسلة من المواقف و الآلام هو جزء من طريقة حياتنا الصحيحة بعد ذلك: أي التي تضمن لنا سعادتنا التي ابتغيناها آنفا. إذن يمكننا القول أن الكرب أو الشده كانت في حد ذاتها قرارا صحيحا! ليعيد شكلا ما من الاتزان بالمقابلة مع قرارنا الخاطئ.

الآن. أريدك ان تبحث بعقلك في هذا الكون الشاسع وهذه الحياة المزدحمة بالأحياء عن هذا الاتزان الإلهي وسترى أن له حالتين لا ثالث لهما: إما أنه حاصل أصلا أو أنه يحدث فعلا. إذا كان حاصلا أصلا فذاك مبتغى الله منه.. أما إن كان في طور الحدوث فهذا الطور له نوعان: ان يهتز الميزان أولا (في مثالنا ذلك هو اتخاذنا للقرار الخطأ) أو ان يكون هناك تقويم للاعوجاج (في مثالنا: الألم والندم .. والقرار الصحيح أخيرا). لكي يهتز الميزان فلا بد إذن من إرادة لذلك.. وكل الإرادة في هذا الكون هي لخالقه أو بإذنه. معنى ذلك: انه في كل الأحيان يكون قرار اهتزاز الميزان من وجهة نظر أعلى وأعم هو أيضا قرار صحيح وحكيم! قد تتجلى لنا الحكمة وقد تخفى عنا. المعجزة هنا في أن عكس الحق (وهو الباطل) عندما ننظر له تلك النظرة العليا فهو فعليَّا جزء من تكوين ميزان الله الأعلى في نفوسنا وفي هذا الكون.

يقول الله تعالى: “وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” وهذا بعد هزيمة! يعلمنا الله تعالى أنه في ميزانه الأعلى يعتبر الهزيمة علوا لا هزيمة طالما كانت في سبيله ولرسالته. أما إذا كانت الهزيمة (أو النصر) لشيء أدنى فكلاهما باطل يحتاج إلى تصحيح!

أنتقل بكم الآن إلى القوة الفاعلة في هذا الكون.. المسئولة عن ذلك النوع من تصحيح المسار. بعد كل خطأ يحدث في هذا العالم (أي خطأ! على المستوى الشخصي أو الإجتماعي) فإن هناك مركب من الحق والعدل يبدأ عمله فورا في التصحيح والتقويم. وهو مركب إلهي مسئول عن هذا الكون كله و خاضع لقانون الله وإرادته وحدها. ومدة عمل هذا المركب تخضع لحكمة الله التي قد تخفى على عقولنا القاصرة و على فهمنا لمعنى الزمن الذي خلقه الله أصلا مع هذا الكون. بل قد يمتد هذا التقويم إلى يوم القيامة! ويكون عذاب النار جزءا منه والعياذ بالله إذا كان خطأ احدنا بهذه الفداحة ولم تلحقه توبة تقوم ميزان نفس صاحبها. و في كثير من الأحيان يكون هذا المركب ذائبا في رحمة الله بالعباد ولو فهموها بعد حين..

و لتفهم أبعاد قوة هذا الحق.. اقرأ قول الله تعالى: “خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ” ياللهول! إن هذا الحدث الهائل .. حدث الخلق من عدم .. انما هو بذلك الحق! وكأن مادة الخلق لكوننا العملاق هذا كله هي الحق الصرف والعدل النقي. و أي باطل يحدث على نقطة الأرض في هذا الحق الهائل لا وزن لها ولا أثر لها في هذا الكون إذ سرعان ما يعمل هذا المركب المعجز على إزهاقها و تقويم نفوس الناس الذين عاشوا هذا الباطل..

يقول تعالى في كتابه المعجز: “وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا” فهذه صفة الباطل الأزليه. هو دوما مهزوم وممحوق. ويقول تعالى أيضا:”بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ” وفي هذا وصف يهز الإحساس فعلا. وكأن الحق ماء نقي تم صبه على الباطل صبا ليغسله تماما ويمحو أثره في النفس والواقع معا!

أختم بنقطة الفرج: يأتي النصر عندما يكون الانتصار للحق الأعلى لا النفس.. فنحن زائلون ولا معنى لنصر يزول معنا. لكي ننتصر للحق الأعلى يجب ان نؤمن به .. وفي معظم الأحيان يكون الباطل حاصلا ليقوم إيماننا هذا. و كلما قوي هذا الإيمان اقترب النصر. لذلك يكون الإلحاح في الدعاء دوما مدعاة لرفع البلاء.. لأن معطيات مركب الحق والعدل تتغير بتغير النفس الداعية وإخلاصها لله عز و جل. كل العبادة تفعل ذلك .. ولكن يختص الدعاء بقدرته على معالجة البلاء لأنه مخ العبادة كما قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم.

في النهاية أسأل الله لنا و لكم الثبات. و أسأله بقوة الحق الذي خلق به السماء والأرض أن يعجل بنصره و أن يصلحنا لهذا. آمين.

Advertisements

4 thoughts on “لماذا ينتصر الحق دائما؟

  1. You wrote this? WOW, just WOW.

    The true test is acknowledging the true colors of الحق و الباطل which is becoming more and more tainted by the minute.

    Just one last thing, you should definitely write more in Arabic.

  2. :)

    I agree, differentiation sometimes is trying to one’s heart..

    I should? Well, I have some drafts.. maybe I’ll give Arabic a serious try soon in-sha’Allah

    Thanks ya deppy! :)

  3. The wow is at the length of Arabic which I won’t pretend to have read. I tried but then gave up a few lines in when I found myself puzzling for a fairly long time over the word حيواتنا and wondering why you conjugated it that way and if it was egyptian or fus7a.

    I’m officially kicked off your blog by wordpress :D

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s